
ذكرياتٌ في عقلي، ونظرياتٌ في العالم. رواياتٌ وأفلامٌ وأحداثٌ في واقعي، وهي العوالمُ الموازية. فهل هي حقيقية؟ وهل الأحلامُ بوابةٌ لإحدى تلك العوالم؟ ربما لا أستطيع النفي، ولا أملك التأكيد، فثمة احتمالٌ لكل شيء في هذا العالم العجيب.
في مكانٍ ما، أكثر جمالًا، في عالمٍ من العوالم، كنتُ ألعب مع أختي الصغيرة وسط الأشجار. أختبئ مرة، وتختبئ هي مرة أخرى، ونركض بين الأشجار بخفةٍ وضحكٍ طفولي. ثم أسمع أصواتَ خطواتٍ تقترب، فيأتي صديقها الصغير للّعب معها، فتترك يدي وتذهب نحوه. بعد لحظاتٍ جاءت صديقتي التي تسكن معي… أم أنا التي أسكن معها؟ هي وأخواتها…
كيف يسير النظام هنا؟ كيف أشرح وجود أشخاصٍ لا أعرفهم، ومع ذلك يبدو أنهم جزءٌ أساسي من حياتي في الحلم؟
نادتني صديقتي على عجل، وقالت إن هناك أمرًا طارئًا في المنزل ، كانت صديقتي الشقراء – التي تبدو في مثل عمري – ترتدي زي شرطة المرور على سبيل المزاح، بينما كانت أختها السمراء الأصغر منّا تبدو مضروبة، وشَعرها مبعثر كما لو أنها خرجت من معركة. الجو كان مشحونًا، كأن حربًا صغيرة قد مرّت من هنا ، قالت لي الشقراء بصوتٍ متوتر: “عليكِ أن تضربيني، يجب أن نمثّل الدور.” فعلتُ ذلك، وضربتُها كما طلبت، ثم ردّت لي الصفعة، ولم أفهم لماذا. ذهبنا بعدها إلى الأم، لكن التفاصيل التالية تلاشت من ذاكرتي… كأن الحلم نفسه قرر أن يُخفيها عني.
ثم تذكرت شيئًا غامضًا، لم أعرف من أين جائني أن لي حبيبًا. لكن… من هو؟
لا أعلم من هو، لكني كنت أعرف أنه وسيم، ويحبني كان يملك دراجة نارية، وكنا نركبها معًا بين الأشجار، والريح تلامس وجهي كأنها تعيدني إلى الحياة. لكن إحدى الأخوات، عندما رأته، وقعت في حبه. لم أنتبه في البداية، ثم بدأت الخلافات بيننا تتسع شيئًا فشيئًا، حتى قررنا الانفصال.
الآن أنا مريضة، مرضًا عاديًا كما يقولون، لكن وجهي شاحب، وكل ما فيّ منهك. ذهبت إلى مكان يشبه المول أو محل تجميل، كنت أرتدي فستانًا أسود قصيرًا، ودخلت إلى الحمام لأغسل وجهي. هناك ظهرت امرأة لا أعرفها، قالت لي إن عليّ أن أرى الطبيب، فهو جيد حقًا ،قلت لها: لا أريد طبيبًا، أنا بخير. لكنها ألحت كثيرًا، وأنا أرفض، إلى أن دخل هو ،كان في منتصف الأربعينيات، هادئ النظرات، ملامحه مطمئنة ومخيفة في الوقت نفسه. قلت لهم مجددًا: لا أريد معاينة، لا أريد طبيبًا، لا أريد أي شيء. لماذا لا تفهمون؟ لكنهم لم يتوقفوا. تقدم نحوي بخطوات بطيئة، وقال بصوتٍ لا يُشبه أصوات البشر: “شفاؤك في أن تعرفي.”
ثم أخبرني بكل شيء ،فتح أمامي النوافذ المغلقة في رأسي، واحدة تلو الأخرى لم أفهم البداية، لكني تركته يتحدث وعندما انتهى، شعرت فجأة بخفة غريبة، كأن شيئًا خرج مني… وهدأ كل شيء
وحين خرجت، كان هناك شابان، وسيمان حقًا، لكن أحدهما جذبني أكثر، وكأن بيني وبينه خيطًا خفيًا اقتربنا خطوة، ثم اكتشفت فجأة أنه أخو صديقاتي، لكنه لا يعيش معنا. غريب… كيف أعرفه إذًا؟ أذكر وجهه في مكانٍ ما، لكنه ضبابي، قديم، مشوش، لا زمن له ،نظراته كانت تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، ثم فعل شيئًا لم أكن أتوقعه أبدًا — تلك الحركة التي لا يفعلها إلا عاشقٌ يعرف فتاته جيدًا … أمسك بخصري وجذبني نحوه، اقترب كثيرًا حتى سمعت أنفاسه، وقال بصوتٍ دافئٍ مبحوح: «أأنتِ بخير؟». هززت رأسي بالإيجاب، لكن قلبي لم يكن بخير أبدًا.
ابتعد بخفة، وكأن ما حدث لم يكن، ثم مضينا معًا… نحو مشهدٍ آخر لا أذكره تمامًا، لكنه لا يزال يلمع في ذاكرتي مثل ومضة برقٍ في ليلٍ هادئ
كنتُ مع الفتيات، نرتدي فساتين قصيرة بترفٍ طفوليّ، كأنها مصنوعة من الضوء، نمسك أيدي بعضنا بخفة ونمشي بخطوات أنيقة، تضحك واحدة فتنفجر ضحكاتنا معها، نركض ثم نتشابك من جديد كأننا لا نعرف سوى اللعب والفرح. كنا ثلاثًا، الصغيرة ليست معنا هذه المرة، ربما بقيت خلفنا في عالمٍ آخر.
لكننا تذكّرنا فجأة أننا نسينا شيئًا هناك، شيئًا صغيرًا لا نعرف ما هو لكنه بدا مهمًا بما يكفي لنجري نحوه بكل ما فينا من خفة وأناقة. كان كل شيء جميلًا: الهواء، الفساتين، الشعر الذهبي والبني المتطاير في الضوء، إحساس الطفولة والأنوثة معًا.
وعندما عدنا… تغيّر المشهد.
كانت الأحداث قد مرّت ونحن غائبات، قصص علقت في الهواء تنتظر أن نفهمها، وأنا لا أفهم شيئًا. ثم رأيتها — صديقتي الصغيرة، تلك التي لم تكن معنا — تمسك الهاتف وتتحدث بصوتٍ خافتٍ وقلق، قالت إنها تشتاق إلى رؤيته… إلى حبيبي السابق
حين عرف الأب أن بناته على علاقة بشبانٍ يلتقين بهم، لم يغضب، بل قال بهدوء إننا سنخرج في نزهة. صدقناه، ظنناها نزهة عائلية عابرة، لكن الطريق امتد أكثر مما توقّعنا. خرجنا من المدينة وابتعدنا حتى صار البحر يرافقنا عن اليمين، والطريق أخذ يميل صعودًا فوق المرتفعات. كان المشهد مهيبًا، لكنه مخيف، والبحر تحته عميق كأنه ينتظرنا. لم يبطئ الأب سرعته، لم يلتفت إلينا، وفجأة انحرف المسار قليلًا ثم طارت السيارة في الهواء وسقطنا في الماء.
غرقت السيارة بسرعة، الماء دخل من النوافذ ونحن نحاول الخروج. كان الغرق بطيئًا لكنه مرعب، صوت أنفاسنا متقطع وصدى الصراخ يختفي في الماء. خرجنا بصعوبة، سبحنا باتجاه ضوء بعيد حتى وصلنا إلى اليابسة، إلى مكانٍ مجهول نبيت فيه تلك الليلة.
وفي الليل، حين هدأ كل شيء، اتصلت الشقراء بحبيبها، ولم أعرف كيف وصل بهذه السرعة. أما هو، ذاك الوسيم الذي يشبه حلمي أكثر مما يشبه الواقع، فقد ظهر أيضًا، وقال لي لنذهب.
ذهبنا معًا في الليل، نمشي بين الأشجار، نسير بخفة وكأن الغابة تعرفنا، كان الليل جميلاً، والهواء بارداً لكنه ناعم على وجهي. أوصلني إلى بيته في الغابة، بيت صغير دافئ له نوافذ مضيئة برائحة الخشب والنوم. لم يقل شيئاً كثيراً، فقط ابتسم، وجلست أستمع إلى صمت الغابة، إلى الحكاية التي لم تكتمل.
وفي الصباح عدت إلى صديقاتي، جلسنا نحكي ما حدث في تلك الأمسية الغريبة الدافئة، نضحك ثم نصمت ثم ننظر إلى البحر من بعيد وكأننا نحاول أن نتذكر شيئاً نسيناه هناك.
وهكذا انتهى الحلم… بهدوءٍ يشبه الحكايات التي لا تعرف إن كانت خلاصاً أم بداية جديدة.
