كنتُ أجلس في غرفتي، على سريري تحديدًا، بينما كانت أختي تجلس على الأرض أسفله، تطلي أظافرها بهدوء. لازلت أرتدي فستاني الأخضر، وكان الوقت ظهرًا، والشمس تتسلل بخجل من خلف الستائر. نهضتُ لأرى عمي، الذي عاد للتوّ من السفر، كان مستلقيًا على السرير في الغرفة المجاورة. أخبرته بلهفة عن درس السياقة الذي وعدني أن يُعطيني إيّاه، خاصة وأن هذا الأسبوع يصادف مرور أسبوع على شرائي لسيارتي الأولى. لكنه أجابني بتعب ظاهر أنه مرهق ولا يستطيع، فعدت أدراجي الى غرفتي .
تلقّيت اتصالًا من بعض المصوّرين، لا أذكر وجوههم جيدًا، سوى أحدهم يُدعى “آصف”، دخل غرفتي دون تردّد، وتمدد على سريري كأن المكان يعرفه. وضع رأسي على يده، قرب جبينه، دون أن يمرّ في داخلي أي شعور نحوه، سوى استغراب خافت. كنت أعلم أن هناك من دخل معنا، أو كان يراقبنا، لكن لم أستطع رؤيته. أريته عربتي الجديدة، ففرح لي كثيرًا، ثم اصطحبني في عربته القديمة، بلونها الماروني ودواخلها العتيقة، كانت من طرازٍ اندثر، وكأنها خرجت من حلم سابق. انطلقنا بعدها نحو التصوير، كأننا نحاول أن نُثبت شيئًا في الزمن، قبل أن يفلت من بين أيدينا.
وهناك، عند أطراف الحديث العابر، سُرّبت إلي همسة عن مكانٍ منسي، لا يشبه شيئًا في هذه الأرض. معبد متهالك، كأن البحر نسيه على ضفافه بعد أن كسرت الأمواج أعمدته، وظلّ واقفًا، نصف حي، نصف خراب. قالوا إن الكائنات التي تسكنه حزينة، ليست بشرًا ولا شياطين، لكنها تعرف ما في القلب، و تعلم مابداخل النفوس من نوايا ، كانت توهم الآخرين ب اعطائهم الذهب لكنك لن تخرج ومعك الذهب ابداً ستموت او تقتلك او ستختفي من هذه الحياة .
ذهبت لأتفقد أمره، لكنني لم أدخله؛ اكتفيت بأن أراه من الخارج، كتلةً مبللة على حافة البحر. عدت إلى السيارة وجلست في الخلف. سمعت صوتًا يناديني، فقلت ل آصف : توقّف. توقّف ونزل ليساعدني، لكن السيارة تحرّكت وحدها بعد أن أوقفها. كنت عند الحافة، لا أستطيع الحراك؛ أي خطوة تعني السقوط. بعد عدة دورات حول المكان عاد آصف ، أوقف السيارة أخيرًا، وأنزلني في الطريق صادفت رجلاً أعرفه منذ زمن الدراسة، تبادلنا اطراف الحديث و قد ظهر العبوس على وجه آصف …
ثم مشهد آخر، لم يكن واضحًا كغيره، بل غامضًا على نحوٍ مربك. كانت هناك فتاة في الثلاثين من عمرها. لا أعلم من أين جاءت، ولا كيف وصلت، لكنها كانت قريبة مني بشكلٍ غريب. كأنني الوحيدة التي تعرفها، أو الوحيدة التي تفهمها. كنا في عام 2024، ومع ذلك، لم تكن تنتمي تمامًا إلى هذا الزمن.
كانت أمًا تارة، عزباء تارة أخرى، ومتزوجة في أحيان أخرى لم تكن تعرف حقيقتها، ولا من أي زمن جاءت. وكلما نظرت إليها، تسللت إلى داخلي فكرة مفزعة: أيمكن أن تكون أنا؟ تساؤلات كثيرة ملأت رأسي، بلا إجابات واضحة، كأنني في حلمٍ لا نهاية له.
لكن هي تعرف طريقة الانتقال لكنها تحتاج بعض المساعده او الكثير منها ف لا اعلم كم جمعت من الاشخاص لعمل هذه الطريقه لكنني كنت استقلي اما معها او كنت استقلي وحدي لانني كنت هي ……
وكان الانتقال يحدث فجأة نعود عبر الزمن إلى العام 1950 تقريباً فأجد نفسي مأخوذة بكل ما حولي بالألوان الباهتة والهواء النقي والملامح البسيطة لجمالٍ لم تعد تعرفه أيامنا الحديثة لم يكن الزمن مناسباً لنقفز منه إلى عقدٍ آخر لم نكن نملك حرية التنقل كيفما شئنا كانت هناك فتاة تظهر في كل مرة تواجهنا بنظرات مرتابة تخبرنا بصمتها أنها تفهم أن من معنا مريضة مختلّة فتغض الطرف وتبتعد كأنها تعذرها كنا نبحث وقتها عن المعبد القديم ذاته الذي رأيت أطلاله ذات حلم ذلك الذي يقع على ضفاف البحر حزين وكأنه يتنفس من وجعٍ قديم كنا نبحث عنه لا لنكتشفه بل لنُعيد تلك المرأة التي كانت تائهة في الأزمنة امرأة قتلها ذنبٌ لا تعرفه تماماً كما فعلت أنا اقترفت ذنباً كبيراً لم اعرفه الا بعد حين ….
كنت أسافر معها وأعبر الأزمنة كما تعبر الروح بين أطوارها لا كنت أتنقل مكاناً بل زمناً كل زمن كان له رائحة مختلفة وصوت مختلف وضوء لا يشبه سواه وكنت أحاول أن أوثق كل ذلك أن أملأ ذاكرة هاتفي بما يشبه الحياة التي لا تتكرر لكن شيئاً فشيئاً بدأت الصورة تبهت لم تعد الكاميرا تلتقط كما في السابق بدا الهاتف متعباً وكأن الزمن استنزف روحه صوته القديم يعود نظامه يعود وتشويش غريب يغلف الصور لم أعد أستطيع الإمساك بلحظاتي كما كنت
لكن كل شيء تغيّر حين أنقذتها من الموت عدنا إلى 2024 ظننت أن الماضي وحده سيتغير لم أكن أعرف أن النجاة تعني اختلالاً في قوانيننا نحن فالأجهزة التي أعرفها أصبحت بلا معنى لم تعد الكاميرا عالية الجودة لم أعد أرى الـ4K بل أرقاماً صغيرة متواضعة 10، 11، 60 كأن الزمن سخر مني وحوّل معجزتي إلى عبث والأغرب أن حسابي اختفى بالكامل لم أعد أستطيع تسجيل الدخول لم يكن هناك أي أثر لي كما لو أنني لم أكن كما لو أنني محوت نفسي من الواقع
لن انسى مشهد القطار حينما كنت بداخله و مر على جبال سويسرا و الحيوانات ترعى في الريف كُنت اريد تصويره و الاحتفاظ بهذه الذكرى الشبيهه بالحُلم …
